Search
  • الدكتورمحمد قدري دلال

خاطرة بقلم الدكتور محمد قدري دلال

فرصة سنحت لي فالتقيت بذاك الشاب السوري الحلبي، لطيف المعشر، حلو الحديث، فيه من أخلاق أهالي حلب: الدماثة والكرم، ومن شيمهم: الرقة والعذوبة، ومن هواياتهم الطرب والغناء وكل ما يتصل بهما. ما جمعنا كان حبنا للموسيقى، وما قوى أواصر العلاقة الأخوية هو أننا نهوى الأصالة، وكلانا يعشق تراث حلب، وفنها الخالد. من الغريب أن هذا الشاب حزم أمره، وتسلح بما يحفظه من موروث مدينته، وبمعلومات لابأس بها عن الموسيقى العربية والشرقية، بحكم ممارسته الترتيل في جوقة انشاد الكنيسة السريانية التي ينتمي إليها. ومضى بخطوات لا ينقصها الإصرار إلى هدفه. لم يكن هدف هذا الشاب ـ وهو على مقعد الدراسة ـ أن يصبح عالماً أو طبيباً أو مهندساً أو من رجالات الكنيسة، أو أن يرتقي في مضمار العمل التجاري، فيصبح من تجار حلب المعهود فيهم تفوقهم التجاري والصناعي، بل كان مرامه الأوحد أن يصبح اسماً لامعاً في ميدان آخر من ميادين الشهباء، إنه مضمار الغناء والطرب، وواحة الفن الموسيقي الذي رعته حلب منذ آلاف السنين، واحتضنت عمالقة القرن العشرين من أبنائها: كأسعد سالم ومحمد النصار وصبري مدلل وحسن حفار ومحمد خيري وصباح فخري، واللافت أن كلاً من هؤلاء النجوم كان مؤذناً ومنشداً، ودخل ميدان الغناء عن ثقة وتمكن، بعد أن رقى روحه وهذبها بالإنشاد في حلقات الذكر، وزوايا الطرق الصوفية المنشرة في أحيائها. والكنيسة السريانية بما اختزنته من تراتيل شرقية، وأساليب إنشادية رفيعة ـ تضاهي زاوية الذكر في أناشيدها، وتؤهلها لصهر روح المرتل، ثم تشكيلها مغلفة بتجليات صوفية لا تقل عما ُعهد في مرابع الإنشاد الديني الإسلامي. والشواهد كثيرة في هذا المجال، من مطربي حلب الذين رتلوا في كنائسها بداية: سمير حلمي وجلال سالم ويولاند أسمر وشادي جميل وكثير سواهم. فهل كان لهذا الشاب نصيب من كساء الروحية تلك ما أهله لاكتمال صوته العذب، و ُيضحي كما خطط لنفسه: مطرباً له اسم براق كنجم من نجوم الغناء والطرب الحلبي في المهجر ؟؟ لم يدر في خلده ـ إطلاقاً ـ أنه سيغادر مسقط رأسه إلى الدولة التي التقينا فيها، إنها الصدفة وقدر الرب سبحانه، اللذان أتاحا له الوصول إلى هنا "الولايات المتحدة". حيث التقينا. هاجس الغناء والطرب والمسرح وجمهور المعجبين ما فتئ يراوده، ويدفعه إلى التفكير جدياً بامتهان الغناء. وهو مؤهل لذلك بما اختزنته ذاكرته من موشحات وقصائد ومواويل وقدود، ومن علوم المقام والإيقاع، فانطلق انطلاقة مميزة، فاستقبلته الجالية العربية والسورية بالأخص خير استقبال، وراح يزرع المسرة والطرب في قلوب ونفوس الحضور، وينتقل بهم إلى أجواء الشرق التي افتقدوها في مكان إقامتهم الجديد. أبو مالك "يوسف شمعون" صديقي وتلميذي المتألق، ونجم الغناء العربي في المهجر، لم يكتف بما حصله من علوم وشهادة عالية ليعمل بها، بل كان ديدنه البحث والتقصي عن ما يشغل فكره من مسائل تتعلق بهوايته، وعقد اللقاءات مع المتخصصين شخصياً، أو على منصات التواصل، وكان من أهم الشخصيات التي صادقها واستقى منها علماً غزيراً، الأستاذان الجليلان والملحنان الكبيران " نهاد نجار وفتحي الجراح "، فهما ـ ناهيك عن الألحان التي قدماها له ـ كانا نعم المستشارين والناقدين والمرشدين، فأخذ عنهما الكثير مما يلزم المغني والمطرب الناجح، حتى إنه أخذ الكثير من علم التجويد، وتلاوة القرآن الكريم عن الأستاذ نهاد، والتفت إلى آلة العود فكان في أوقات تواجدي في الولايات المتحدة، يقطع مسافات طويلة ليلتقي بي ويأخذ ما يأخذه من تمارين على العود، وعلوم المقامات والتنقل بينها بحرفية عالية، حتى غدا لا يجارى معرفة، وبقدرات أذهلتني، حتى على البعد كنا نتخاطب، ويطلعني على تجارب يقوم بها، لياخذ رأي في تصرفاته الذكية والمعمقة. تلك مقدمة لا بد منها للولوج إلى آخر ثلاثة أعمال سجلها وطرحها لجمهوره الكبير، العمل الأول كان: أغنية شعبية من مقام البياتي "آه ياحلو يا مسليني و أغنية "يكون في علمك" والأغنية الشعبية "عمي يا بياع الورد". من الناحية التاريخية. الأولى صنعت وُسمعت في منتصف القرن التاسع عشر، مجهولة المؤلف والملحن، والثانية من أعمال الشيخ زكريا أحمد، ونصها في الغالب للشاعر محمود بيرام التونسي، هذه الأغنية تعالج موضوعاً طريفاً يتمحور حول "علاقة الرجل بزوجته الأولى التي أحضر لها ضرة تنافسها فيه". من الواضح أن الأغنية التي ُسّجلت بصوت المطرب صالح عبدالحي ـ اشتهرت في اواخر الثلاثينيات من القرن الماضي. الأغنية الثالثة: من التراث الشعبي العراقي التي أضحت إحدى أغنيات حلب التراثية.

عمد المطرب الأستاذ يوسف شمعون إلى الانتقال بين مقامي البياتي والأوج عراق "راحة الأرواح" بجملة لحنية لطيفة رشيقة، تمكن بها إلى الوصل بين مقامي الأغنيتين بطريقة أنيقة، تتقبلها الأذن الذواقة دون جرحها، أو أن يحس المتلقي المتذوق بتغيير مفاجئ دون تمهيد منطقي، وبالتالي فإنه قبل نشرها استشار معلم الصنعة "الأستاذ فتحي الجراح" في نتائج تجاربه ونشرها بعد الرضى التام من قبله. وهذا إن دل على شيء ـ فإنه يدل على خلق فنان حاذق، يأخذ بآراء الموثوقين ذوقاً وفناً وتجربة، مستأنساً ومستفيداً من خبرتهم الموسيقية الطويلة.

العمل الثاني والذي كان لي فيه شرف المشورة. هو: وصلة موشحات. كان الأستاذ والملحن الكبير "نهاد نجار" قد نسقها ودبجها ولحن التمهيد للأوكسترا الذي تضمن بعض الجمل اللحنية على مقام " نهاوند" وبإيقاع سماعي ثقيل. كان الموشح الأول "لما بدا يتثنى" لملحنه "سليم المصري" في المقام والإيقاع نفسه، وبعده الخانة الأولى والثانية من موشح "ملا الكاسات وسقاني" ولحن الخانتين للمرحوم محمد عبد الوهاب، ثم عرج على مالحنه "محمد عثمان" في الخانة، فإلى الختام بالعودة إلى "الغطاء" في هذا الموشح الجميل. من الناحية التقنية فالأستاذ نهاد ـ وبصوت "يوسف شمعون" ـ استلهم مدرسة مطربي حلب القدماء في دمج موشحين أو "موشحات" من مقامات مختلفة في وصلة واحدة، لكنه خالفهم في أمر مهم، إذ كانوا يفضلون العودة إلى المقام الذي ابتدأوا به، لكنه انتهى بمقام الموشح الثاني "رصد"، كما فعل محمد عبد الوهاب قديماً وحديثاً: فقصيدة "جارة الوادي" ابتدأها بمقام بياتي على درجة "النوى" واختتمها بالبياتي على درجة "الدوكاه"، وحديثاً وفي أغنية "فكروني" التي غنتها أم كلثوم: بدأها برصد "دو" مجازاً، والقفلة كانت في مقام "حجاز كار كرد" على الدرجة نفسها. والشاهد هنا أن كلا المُعد والمطرب يحاولان المحافظة على العقيدة الحلبية في التصرف بين المقامات، وفي نسيج الوصلة، لكي يضيفوا عليها نوعاً من الحداثة، ويسعوا إلى كسر الملل عند المتلقي، غير متخلين عن تلك الاستراتيجية البديعة، والترف السمعي الراقي، عن طريق رشوة احاسيسه بالتغير المدروس، الذي لا ٌيفسد للسلطنة والمتعة قضية هامة وهي "التطريب".

يبدو لي أنه من الضروري ـ هنا ـ أن نعرج على موضوعين قبل الخوض في تحليل العمل الغنائي الذي أنتجه مؤخراً الأستاذ "يوسف شمعون" بمناسبة شهر رمضان المبارك.

الأول: العمل الغنائي وما القوائم التي تحمله، والقواعد التي تحكمه، وما مقومات نجاحه. أركان العمل الغنائي أربعة: النص الأدبي ـ اللحن ـ الصوت الذي يؤديه ـ التنفيذ متضمناً (الآلات المنفذة التوليفة اللحنية التوزيع الآلي "التآلفات" "Orchestration"). بالنسبة للركن الأول: أي نص شعري قابل للتلحين، دون النظر إلى مستواه اللغوي أو معانيه المطروحة، أو الموضوع المعالَج، فكم من اغنية ناجحة ليس لها معاني جليلة، أو موضوع ذو اهمية. الركن الثاني : لا بد أن يكون مبنياً على أفكار لحنية تناسب الايقاع الذي ُبني عليه الشعر، وجمل لحنية جميلة، وعلاقات بينها تشعرك بانسجامها وترابطها، والأعمال الغنائية الخالدة تنبيك عما أقصده. في الشرق العربي تضاف صفة خاصة وهي"التطريب" ، والصفة هذه خاصة بالعرب وليس لها مرادف أو مثيل في أي موسيقى أخرى غربية كانت أو شرقية. الركن الثالث: صوت المؤدي. أهم ميزاته أن يكون سليماً نقياً، والدرجات الموسيقية التي يغنيها صحيحة "ليس فيها نشاز"، تتميز بعض أصوات المؤدين بالدفء، وقد تجد في بعضها إمكانات خاصة تميزها، كما أن أذواق المتلقين تتفاوت في استلطاف أصوات دون تعليل أو إبداء أسباب. ولقد مر على الغناء العربي مغنون أصبحوا نجوماً لا يملكون علمياً أي مقوم يجعل منهم متميزين، أو كانت أصواتهم عادية من حيث الخامة وجمالها، والقدرات وتواجدها، والمساحات الهائلة التي تميزها. فما المعول للنجاح هنا؟ هو إحساس المغني بالجملة اللحنية، وحسن أدائه لها، والحضور وهو هبة من رب العالمين قد لا يملكها الجميع، وكذا شخصية المطرب التي تضفي على العمل بريقاً وألقاً، وتلك أيضاً صفة يمنحها الله لبعض عباده. الركن الرابع: التنفيذ وهو يشمل العازفين واداؤهم ، والتوزيع الموسيقي ويتحكم في الأخير ذوق الموزع ومستوى فهمه العميق لمحتوى اللحن الذي اضطلع بتوزيعه، إن كان الموزع ليس صائغ العمل وملحنه.

الموضوع الثاني (وهو خاص بسورية): من المعروف أن مكونات الشعب السوري متعددة من الناحية الدينية (مسلم مسيحي)، والمسلمون منهم ينتمون إلى مذاهب متعددة (سني شيعي علوي درزي إسماعيلي ) والمسيحيون منهم ينتمون: إلى مذاهب (كاثوليكي أورثوذكسي إنجيلي ..) وطوائف (روم سرياني آشوري كلداني ) وبالاستقصاء قد تجد مللاً ومذاهب أخرى، لكن المميز في هذا الشعب العظيم أنه متداخل متجانس متفاهم، في شراينهم يجري دم واحد، ويحملون شعوراً واحداً هو الحب لوطنهم سورية. ولهذا التفاهم وبسبب تلك العلاقة الأخوية تناقلوا ألحان تراثهم الشعبي على اختلافه، وتداخلت ألحانهم ذاك ياخذ عن هذا، وهذا يعجبه لحن عند الآخر فيتبناه ويغنيه، غير عابئ إن كان النص بغير لغته ، أو يضع للنص اللحني نصاً بلغته بإسلوب القد، ولمزيد العلم . فإن كل القوميات في هذه الأرض الطاهرة ما زالت محتفظة بلغتها الأم إلى جانب العربية: فالسرياني يتحدث السريانية، والأرمني الأرمنية، والآرامي الآرامية "لغة المسيح عليه الصلاة والسلام". وكم من لحن سمعناه بنص بالسريانية والعربية في آن، وكم من آخر يغنى باكثر من لغة وينسب إلى التراث الشعبي السوري. انطلاقاً من هذا التفاهم وذاك التجانس في كل شئ، نتج العمل الثالث للأستاذ المطرب "يوسف شمعون"، وضحت فيه روح الألفة والتعايش والأخوة التي جمعت ـ وستجمع دائماًـ الشعب السوري بكل أطيافه. في رمضان تنطلق في الجوامع والمساجد تواشيح ترحب بهذا الشهر الكريم، وتطلب من الله الرحمة والمغفرة، وأن يتقبل من عباده صيامهم. أحب الأستاذ يوسف أن يهدي هذا العمل إلى أخوته في الوطن ومشاركتهم بهجتهم بقدومه، فقام بتلحينه الأستاذ " نهاد نجار" وأعده موسيقياً وأشرف على تسجيله، وكان بعنوان (مني إلى الشهر الفضيل). الطريف في العمل صفتان مميزتان: الأولى أن الجمل اللحنية منسابة انسيابًا يدل على جهد وإتقان، خاصة أنه يحتوي على تنقل بين مقامات متعددة: العجم ـ الحجاز ـ البياتي ـ الكرد ـ شوق أفزا.

الصفة الثانية ذات الأهمية: أن النص احتوى على مقطع باللغة السريانية، ينسب إلى القس "مار يعقوب الرهاوي" تاكيدا على عمق الأخوة الوطنية، والتعايش بين أشقاء الوطن باللغتين الحيتين اللتين هما من جذر واحد هو اللغة السامية التي تنحدر منها العربية والسريانية. والأستاذ "يوسف" وهو المرتل الحاذق في الكنيسة السريانية ـ أستطاع أن يودي النص بحرفية المتمرس، وبمهنية عز نظيرها، وغنى باللغتين بروحانية نادرة، وبإحساس عميق، ناهيك عن حسن أداء مذهل، ينم عن جهد كبير بذل لاقناعنا أنه مطرب جاد مجتهد، باحث لايمل، يذكرني حاله بالمثل القائل "اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال".

أخيراً لابد لكل مطرب ومنشد من مواصلة السعي للاستزادة في العلم، ومن الدراسة باستمرار ليعلو درجات ما استطاع على سلم الكمال، متحصناً بالثقافة بكل أوجهها، موسيقياً وأدباً وعلوماً شتى. فالفنان الذي يقرأ كتاباً في الفلسفة، ليس كالفنان الذي يقنع بقراءة الصحف.

الدكتور محمد قدري دلال



38 views0 comments